عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

192

اللباب في علوم الكتاب

قال القفّال رحمه اللّه : إن فيما ذكره اللّه - تعالى - في [ سورة البقرة ] « 1 » من أقاصيص بني إسرائيل وجوها من المقاصد . أحدها : الدلالة بها على صحّة نبوة محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - لأنه أخبر عنها من غير تعلّم ، وذلك لا يكون إلا بالوحي ، ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب . أما أهل الكتاب فكانوا يعلمونها ، فلما سمعوها من محمد - عليه الصّلاة والسّلام - من غير تفاوت ، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي . وأما العرب فلما [ شاهدوا ] « 2 » من أن أهل الكتاب يصدقون محمدا في هذه الأخبار ، فلم يكونوا يسمعون هذه الأخبار إلّا من علماء أهل الكتاب ، فيكون ميلهم إلى الطّاعة أقرب . وثانيها : تعديد النّعم على بني إسرائيل ، وما منّ اللّه به على أسلافهم من أنواع النعم ، كالإنجاء من آل فرعون بعد استبعادهم ، وتصيير أبنائهم أنبياء وملوكا ، وتمكينهم في الأرض ، وفرق البحر لهم ، وإهلاك عدوّهم ، وإنزال التوراة والصّفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ، ونقض المواثيق ، ومسألة النّظر إلى اللّه جهرة ، ثم ما أخرجه لهم في التّيه من الماء من الحجر ، وإنزال المنّ والسّلوى وتظليل الغمام من حرّ الشمس ، فذكّرهم بهذه النعم كلها . وثالثها : إخبار النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - بقديم كفرهم وخلافهم ، وتعنّتهم على الأنبياء ، وعنادهم ، وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم ، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى بمدّة يسيرة ، ولما أمروا بدخول الباب سجّدا وأن يقولوا حطّة ، ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ، ويزيد في ثواب محسنهم ، فبدلوا القول وفسقوا ، وسألوا الفوم والبصل بدل المنّ والسّلوى ، وامتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى - عليه الصّلاة والسلام - وأخذ منهم المواثيق أن يؤمنوا به حين رفع فوقهم الجبل ، ثم استحلّوا الصيد في السّبت واعتدوا ، ثم أمروا بذبح البقرة ، فشافهوا موسى - عليه الصلاة والسلام - بقولهم : « أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » . ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة ، فكأن اللّه - تعالى - يقول : إذا كانت هذه أفعالهم مع نبيهم الذي أعزّهم اللّه به ، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمدا عليه الصلاة والسلام ، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم ، وإعراضهم عن الحق . ورابعها : تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة .

--> ( 1 ) في ب : هذه السورة . ( 2 ) في ب : يشاهدون .